massarate

 

الوازع المهني وحده الذي يشجع المدرس على الانخراط وتحسين الأداء

02/11/2010

 

لا نشك في أن أحدا من المدرسين لا يعلم أن التلميذ أكبر ناقد له. إنه أي التلميذ، يقرأ قراءة دقيقة كل تصرف أو سلوك يصدر من المدرس، ولنحصر الحديث فيما يعنينا وهو الرغبة لنقول ما أسهل أن يعرف المتعلم- من خلال سلوكات  وتصرفات مدرسه- أ له رغبة في التدريس أو لا؟

ومن منا لا يعرف الانعكاسات السلبية لغياب الرغبة عند المدرس على المتعلمين. أيها المربي إنك كما تحب أن يكون لمتعلميك رغبة في التعلم فهم كذلك يحبون أن يكون لمدرسهم رغبة في التدريس. والأخطر هو أن غياب الرغبة عند المدرس أعمق ضررا على المتعلمين، لأن المدرس هو القدوة المثلى للمتعلم وهو المحفز الأول للعمل." إن الولد مهما كان استعداده للخير عظيما، ومهما كانت فطرته نقية سليمة...فإنه لا يستجيب لمبادئ الخير وأصول التربية الفاضلة ما لم ير المربي في ذروة الأخلاق وقمة القيم، والمثل العليا...ومن السهل على المربي أن يلقن الولد منهجا من مناهج التربية، ولكن من الصعوبة بمكان أن يستجيب الولد لهذا المنهج حين يرى من يشرف على تربيته ويقوم على توجيهه غير متحقق بهذا المنهج، وغير مطبق لأصوله ومبادئه!"

إن "القدوة في التربية هي أفعل الوسائل جميعا وأقربها إلى النجاح" فإن كان المدرس مجدا محبا لعمله نشأ المتعلم مجدا محبا للتعليم. والسؤال الذي يطرح هنا هو: كيف نخلق الرغبة عند المدرس الذي لا رغبة له؟

"إذا أردنا إحداث تغييرات إبداعية في المدرسة فعلينا أن نبدأ لا بالطرائق المستعملة في التعليم ولكن بالأشخاص الذين يعلمون وأن نقنعهم بتغيير مفاهيمهم ومواقفهم". إننا في أمس الحاجة إلى تغيير مواقفنا ومفاهيمنا من أمور كثيرة، وأهمها موقفنا من المهنة التي نمارسها. لا أقول إنها أفضل وأنبل مهنة لأنه قد يوجد من لا يرى رأيي، ولكني أقول هل نعي حق الوعي ما معنى مهنة التعليم؟ لا أملك تعريفا جاهزا جامعا مانعا، لكن أملك تعريفا بسيطا لفظا: إن مهنة التعليم مسؤولية عظمى وحين قال شوقي:

قم للمعلم وفه التبــــجيلا ÿ كاد المعلم أن يكون رسولا.

فقوله ليس تشريفا بل هو تكليف، وأعظم بهذا التكليف!

إننا نحتاج إلى تغيير مفاهيمنا حول مهنتنا، علينا أن نستشعر عظمة مسؤوليتنا حين نتخطى عتبة القسم علنا نلقي أو نبقي قفف المشاكل خارجا، أعني خارج القسم.

إننا أيها المربون مسؤولون أمام الله أو أمام الضمير، إننا مسؤولون أمام آباء وأولياء المتعلمين، إننا مسؤولون أمام التلاميذ، إننا مسؤولون أمام الوطن، إننا مسؤولون أمام المجتمع.

إنك أيها المدرس عاهدت هؤلاء جميعا على أن تقوم بمهمتك الإنسانية أحسن قيام، فماذا نقول حين تقصر؟

إن الأب أو الأم أو كليهما حين يسلمان لك ابنا قضوا في تربيته أعواما وأعواما وأنفقوا وينفقون عليه أموالا وأموالا فإنهما قد وضعا فيك أنت أيها المدرس ثقتهما، بل حملوك مسؤولية فلذة كبدهما.

إن التلميذ حين يأتي مثقلا قاطعا مسافات ومسافات ليجلس أمامك قد حملك مسؤولية تعليمه.

إن وطنك حين عينك في هذه الوظيفة ثم بنى مؤسسات وجهز تجهيزات حملك مسؤولية التربية والتعليم.

إن المجتمع بأكمله يحملك المسؤولية نفسها لأنك شغلت منصبا عاما فأنت مسؤول عن صلاح هذا المجتمع، فهل ستغير موقفك ومفهومك من مهنتك؟

إن المدرس ليس حرا في أن تكون له رغبة أو لا تكون. إنه ملزم كل الإلزام بأن تكون له رغبة. نعم نحن أحرار في أن تكون لنا الرغبة في أمور خاصة: في السفر، في مشاهدة التلفاز، في ممارسة الرياضة...أما في التدريس فلا. وعلى هذا فمشاكل وظروف المدرس مهما كانت صعبة لا تسوغ إطلاقا التقصير في المهمة.

إننا أيها المدرسون عاهدنا أن نقوم بمهمتنا وألا نبالي بالظروف والمصاعب، فلا يجب أن ننسى هذا العهد الغليظ.

نحن المدرسين نعرف أن هناك مشاكل أو قل معاناة شتى مرتبطة بالمهنة، ولعل أهم ما يعانيه المتخرجون من مراكز التكوين، سواء المعلمين أم الأساتذة، هو هذا النفي إلى غياهب ومجاهل البوادي المغربية العزيزة، هنالك يصطدم المتخرج بواقع مر قد يحلو إن صبر وتجلد، ولعل أجمل ما في هذا الواقع أنه مجسد لما كان قد حفظه من شعر أو سمعه من قصص أو اطلع عليه من روايات، وأظن أن إخواننا المعلمين والأساتذة سيتفقون معي في هذا الأمر.

إننا نحن أساتذة الإعدادي والثانوي أحسن حالا من إخواننا المعلمين في هذه الناحية، أقصد التعيين بعد التخرج. لا يمكن لأي كان مهما سمع أو قرأ أو شاهد في التلفاز جزءا من معاناة هؤلاء المدرسين أن يتمثل الظروف القاسية التي يعيشها هؤلاء إلا إذا كان ممن عاشها، إننا نشد بحرارة على أيدي من يعيش هذه الظروف ونحييه تحية تقدير وإجلال، إننا نعتز أيما اعتزاز بهذه الفئة من رجال ونساء التعليم التي تضحي بأشياء كثيرة من أجل أهالي باديتنا.

أيها المدرس الذي يدرس وسط جبال وعرة، معزولة، لا طريق هناك ولا ماء ولا كهرباء...لا تسوغ لنفسك التقصير، فما ذنب أولئك التلاميذ؟ أليسوا أحوج من غيرهم في التعلم؟ أليسوا أحق بالاهتمام؟

متى سنقوم بمهمتنا على الوجه الأكمل إذا راعينا ظروفنا الاجتماعية والمادية والإدارية؟ إذن "استحضار المشاكل في القسم ممنوع"، نعم، صحيح المدرس نفسه يحتاج عناية واهتماما وإنصافا وتحفيزا، فالمدرس في القرية مثلا مازال يحس بظلم إذا ما قارن ظروف عمله بظروف زميله في المدينة، إذ ليس من العدل والتحفيز أن يساوى المدرس في القرية بالمدرس في المدينة، ومازال المدرس بصفة عامة يعاني من الناحية المادية .

نعم اهتزت قيمة المعلم الاجتماعية وأصبح يقوم تقويما ماديا فقط" فبينما ارتفع المستوى المادي بتسارع شديد لكثير من أصحاب المهن والحرف اليدوية التي لا تتطلب إعداداً علمياً أو تثقيفياً ، وأصبح هؤلاء ذوي امتيازات مادية لا تنكر ولا تحجب ؛ ظل المستوى المادي للمعلم متخلفاً ، والتحسينات التي تزاد عليه تحبو حبواً بالمقارنة مع ارتفاع مستويات المعيشة والغلاء التي تضرب المجتمعات عامة ، ومجتمعاتنا العربية بصورة خاصة.

وأصبحت مهنة التعليم من المهن المحتقرة في المجتمع ، وهذه حقيقة لا يمكن أن تنكر ، على الرغم من كل ما يقال من كلام إنشائي في مناسبات تكريم المعلم ، بل إن هذا المدح غـيـر الـعملي، والإشادة الباردة بالمعلم ودوره في المجتمع ليست إلا من قبيل معالجة خلل موجود في النظرة العامة السائدة تجاه مهنة التعليم، ولو سألت معلما أو مدرسا سؤالا بسيطاً: هل يحب لولده أن يمتهن مهنة التعليم في مستقبل حياته؟ لكان الجواب بالقطع: لا.

إن لهذا دلالة يجب أن يقف المرء عندها، وأن يحللها تحليلاً يوقفه على أسبابها ودوافعها ونتائجها. وعندما يشعر المعلم أنه أصبح مهاناً لا من قبل الأغنياء والميسورين الذي جُلِبَ كي يعلم أولادهم فحسب ! بل من قبل فئات أخرى متخلفة علماً وفكراً عنه ، ولها نفس منبته ، ومنحدرة من مستوى اجتماعي قريب من مستواه؛ عندما يعيش المعلم هذا الشعور، فهل يلام على قلة إخلاصه وموت طموحه نحو تقديم الأفضل ؟!

هذه لمحات حول قضية هبوط المستوى التعليمي في مدارسنا، وتظل هذه القضية طويلة ومتشعبة وبحاجة إلى بحث وتحليل ، وحسبنا أننا أشرنا إشارة إلى ذلك" وعلى كل حال لكل مقام مقال.

إننا حين نحول مهنة إلى هواية نخلق الرغبة ونعززها لأننا سنحب هذه المهنة الهواية، وإن الحب ليبدد نسبة كبيرة من المشاكل وعندئذ كل صعب يهون، أفلا تستحق مهنة التعليم الحب؟ ما فائدة التطير والتذمر والتبرم؟

قال: السماء كئيبة وتجـــهما ÿ قلت:ابتسم يكفي التجهم في السما

قال: الليالي جرعـتني علقما ÿ قلت: ابــتسم ولئن جرعت العــلقما

فلعل غـيرك إن رآك مرنــمـا ÿ طرح الكـــآبة جــــــــانبا وترنــــما

أتراك تـغنم بالتبرم درهــــما ÿ أم أنت تخسر بالبـــــشاشة مغـــنما

فاضحك فإن الشهب تضحك والدجـــــى متــــــــــــلاطم ولذا نحــــــــب الأنجما

إن الصراحة تقتضي أن نصرح عن مضض أن المدرس يتأثر بالجو المحيط به، فغالبا ما يصطدم بواقع يخيب توقعه الذي كونه عن مهنته حينما كان بعيدا عن ميدان العمل، فإلى جانب قسوة التعيين، هناك صعوبة التخلص من مقر التعيين، فقد يبقى جامدا في مكانه عقودا من الزمن، وكلما تقدم به الزمن يجد نفسه لم يحقق ما كان يحلم به وهو طالب في مركز التكوين، وحلم المدرس هو أن يملك سكنا لائقا، وأن يكون أسرة تعيش حياة مستقرة، وهذا حلم عادي كحلم البشرية جمعاء، ومع ذلك فهذا الحلم صعب المنال، إذ يعجز المدرس عن تحقيقه، على الأقل في ما يقرب من العقد الأول من العمل. وإذا تناسينا هذه الأحلام، فإن المدرس يتأثر بالجو الداخلي للقسم، حيث يتسرب إليه الملل واليأس إذا لم يجد تجاوبا من المتعلمين، فلا حافز لاجتهاد المدرس إذا لم يكن المتعلمون مجتهدين محبين للدراسة والمدرسة، بمعنى أن حب التدريس لا يتحقق من طرف واحد لا بد من أن يكون الشعور متبادلا.

مازال المدرسون بصفة عامة يقدرون مهنتهم، وقد اختار أغلبهم مهنة التعليم عن حب، غير أن مكانة المهنة في نفوس المدرسين في اهتزاز مستمر، لأسباب عديدة، على رأسها اقتناعهم أن المهنة لم تستطع أن تحقق لهم عيشا كريما، خاصة بالنسبة للشباب الذين عصف الغلاء بحلمهم في امتلاك سكن لائق. لا يمكن للمدرس الشاب أن يزاول مهنة التعليم بارتياح واعتزاز وهو يرى زميله الذي غادر الوطن قد حقق أحلاما كثيرة ومنها حلم السكن في مدة قياسية. إن نسبة واحد وخمسين بالمائة من مدرسي الثانوي الذين رأوا أن المحفز الأساسي هو جاذبية المادة الملقنة، دليل حقيقي على أن مكانة المهنة في اهتزاز، ونسبة 51% تعني أن نصف المدرسين تقريبا لا رغبة لهم في التعليم، أعني لا يكنون للمهن أي حب وتقدير، وهذه الفكرة تتعزز إذا علمنا أن واحدا أربعين في المائة من مدرسي الابتدائي ذكروا أنهم اختاروا المهنة تأمينا للشغل، ولنقرأ ما جاء في التقرير المجلس الأعلى للتعليم حول محفزات اختيار المهنة.

"تختلف محفزات الاختيار المهني ما بين مدرسي الابتدائي والثانوي، وهي كالتالي:

1- بالنسبة لمدرسي الثانوي، المحفز الأساسي هو جاذبية المادة الملقنة (51%)

2- بالنسبة لمدرسي الابتدائي، يعد تأمين الشغل عنصرا أساسيا في اختيار المهنة (41%)، العمل مع التلاميذ (31%)، وفي نفس المستوى عدم وجود بدائل أخرى للشغل (32%) يمثلان السبب الثاني في اختيار التعليم الابتدائي.

في غياب فرص مهنية أفضل، اختار 32% من مدرسي الابتدائي و20% من مدرسي الثانوي مهنة التدريس. على العكس هم قليلون جدا، المدرسون، سواء الابتدائي أو الإعدادي أو الثانوي التأهيلي، الذين تحدثوا عن الوقت الحر والأجر والمنافع الاجتماعية كأسباب دفعتهم إلى امتهان التدريس"

إن ما يثلج الصدر في مضامين تقرير المجلس الأعلى للتعليم أنه جسد في كثير من محطاته مشاكل ومواقف المدرس بواقعية تامة، فهو يعبر بصراحة أنه لا شيء يخلق الرغبة عند رجال ونساء التدريس سوى هذا الوازع المهني، وقد عبر التقرير عن غياب الرغبة بعدم انخراط المدرس، حيث قال: " ومن العوامل التي تحد من انخراط المدرسين، صعوبة ظروف مزاولة المهنة، ونقص الوسائل والقدرات لمواجهتها، والافتقار إلى مقاربة لتدبير الموارد البشرية، مبنية على النتائج والمساءلة وعلى الحفز المستحق للمدرسين"

ثم ذكَّر بأهم ما يخلق الرغبة والتحفيز عند المدرس إذ قال:" للتذكير فإن الرضى عن أداء المهام، والرغبة في تحسين الوضعية المادية، والانخراط في مشروع المؤسسة، والطموح إلى الارتقاء نحو مناصب أخرى، وأيضا الحق في الاعتراف والتقدير من طرف الزملاء والمسؤولين، تعد من المحفزات الأساسية لهيئة التدريس"

ثم قال يعترف صراحة وبطريقة لبقة دائما أن تلك المحفزات لا وجود لها على أرض الواقع، ذلك أن الوازع المهني وحده، ووحده هنا توكيد، هو الذي يشجع المدرس على الانخراط: "فبتحليل الطرق المعتمدة لتدبير هيئة التدريس، يتضح أنه الوازع المهني وحده الذي يشجع المدرس على الانخراط وتحسين الأداء والسعي نحو الامتياز"

لقد أكد التقرير أن أهم سبب لا يرغب ولا يشجع المدرس في العمل هو الأوضاع المادية، فـ"من بين الأسباب التي يعتبر المدرسون أنها تحد من انخراطهم، أوضاعهم المادية التي يرون أنها غير مرضية، مع أنه تم تحسين الأجور والتعويضات في السنوات الأخيرة، إلى جانب تقديم خدمات اجتماعية لنساء ورجال التعليم ولأسرهم منذ سنة 2002"

لكن تحسين الأجور والتعويضات في السنوات الأخيرة لا تساوي شيئا إذا قارنها بغلاء المعيشة في السنوات الأخيرة، فقد تضاعفت أسعار العقار ومواد البناء بشكل مهول، كما تضاعف المواد الاستهلاكية أضعاف "التحسينات" التي مست أجور المدرسين، وعليه فقد " ظل المستوى المادي للمعلم متخلفاً ، والتحسينات التي تزاد عليه تحبو حبواً بالمقارنة مع ارتفاع مستويات المعيشة والغلاء التي تضرب المجتمعات عامة ، ومجتمعاتنا العربية بصورة خاصة"

على الجميع أن يثق الثقة التامة أن المدرس فاعل أساسي في إصلاح التربية والتعليم، لذا فكل محاولة إصلاحية لا تضع في الحسبان المدرس محاولة فاشلة، وهذا ما دعا إليه المجلس الأعلى للتعليم حين قال:" يعد المدرس الفاعل الأساسي في منظومة التربية والتكوين، باعتبار علاقته المباشرة مع المتعلمين، وانطلاقا من كون أي مبادرة لتحسين جودة التربية والتعليم، لا بد أن تمر عبر

Aucune note. Soyez le premier à attribuer une note !

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.